الخميس، 1 يناير 2026

هل الدخول في مجال جديد بدون خبرة قرار استثماري سليم؟ – قراءة قانونية وإدارية


كثيرًا ما تبدأ المشروعات بخطوة يظن صاحبها أنها شجاعة، بينما هي في الحقيقة مخاطرة غير محسوبة: الدخول في مجال لم يسبق له العمل فيه، دون خبرة كافية أو دعم متخصص، اعتمادًا على فكرة شائعة مفادها: «سأجرب، وربما تنجح».
هذا المنطق، وإن بدا بسيطًا، إلا أنه من أكثر الأسباب التي تؤدي إلى تعثر المشروعات أو فشلها في مراحلها الأولى.

أولًا: الخبرة ليست رفاهية

الخبرة العملية في أي مجال لا تعني مجرد معرفة عامة أو اطلاع نظري، بل تعني فهم التفاصيل اليومية، والأخطاء المتكررة، وطبيعة السوق، والعلاقات التعاقدية، والمخاطر القانونية المحتملة.
الدخول في مجال دون هذه الخبرة يشبه قيادة مركبة في طريق غير ممهد دون خريطة أو إشارات تحذير؛ قد تصل، لكن احتمالات التعثر عالية.

من الناحية العملية، لا يُنصح ببدء أي نشاط جديد إلا في حال توافر أحد الأمور التالية:

  • خبرة شخصية مكتسبة من العمل الفعلي داخل المجال لفترة كافية
  • شريك يمتلك الخبرة ويتولى الإدارة أو التشغيل
  • الاستعانة بمدير أو مستشار متخصص مقابل أجر أو نسبة

في غير ذلك، يتحول المشروع إلى تجربة تعليمية مكلفة.

ثانيًا: رأس المال لا يعوض غياب الإدارة

عندما يبدأ المشروع دون خبرة، يصبح رأس المال هو خط الدفاع الوحيد. كل خطأ إداري أو تشغيلي — وهي أخطاء غالبًا ما تكون بديهية لمن مارس المجال سابقًا — يؤدي إلى خسائر مباشرة.

إذا كان لدى صاحب المشروع رأس مال كافٍ لتغطية فترة طويلة من التجارب والخسائر، فقد يستمر المشروع ويكتسب الخبرة بمرور الوقت، لكن ذلك يعني أن التعلم يتم على حساب المال.
أما إذا لم يكن رأس المال قادرًا على تحمل هذه الخسائر، فإن المشروع غالبًا ما يتوقف قبل أن يصل إلى مرحلة الاستقرار.

ثالثًا: الاستثناء لا يصنع قاعدة

يُستشهد أحيانًا بنماذج لأشخاص دخلوا مجالات لا يعرفونها وحققوا نجاحًا ملحوظًا. هذه النماذج موجودة، لكنها:

  • قليلة جدًا مقارنة بإجمالي المحاولات
  • غالبًا ما امتلكت قدرة مالية كبيرة
  • لا تصلح لأن تكون قاعدة عامة يُبنى عليها القرار

الاعتماد على هذه الأمثلة يشبه بناء قرار استثماري على حالات نادرة، وهو منهج لا يتفق مع أبسط قواعد الإدارة الرشيدة.

رابعًا: البُعد القانوني للمخاطرة

من الزاوية القانونية، فإن غياب الخبرة ينعكس مباشرة على:

  • سوء صياغة العقود
  • اختيار كيان قانوني غير مناسب للنشاط
  • إهمال الالتزامات التنظيمية والتراخيص
  • التعرض لنزاعات كان يمكن تفاديها بالتخطيط المسبق

العديد من النزاعات التجارية التي تُعرض على المحاكم الاقتصادية يكون سببها الرئيسي قرارات تأسيس غير مدروسة، أو دخول نشاط دون فهم لطبيعته القانونية والتنظيمية.

الخلاصة

الدخول في مجال جديد ليس مغامرة، بل قرار استثماري يجب أن يُبنى على أسباب واضحة: خبرة، أو شراكة صحيحة، أو إدارة متخصصة، مع إطار قانوني منضبط منذ البداية.
فالتكلفة التي تُدفع في التخطيط والدراسة والاستشارة القانونية تظل دائمًا أقل بكثير من تكلفة تصحيح الأخطاء بعد وقوعها.

والحكمة العملية تقول:
من أراد أن يتعلم، فليتعلم بعقل… لا على حساب مشروعه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

نحن نتطلع دائمًا إلى الاستماع إلى تعليقاتكم وآرائكم القيمة، فلا تترددوا في مشاركتنا بتعليقاتكم على مدونتنا والمساعدة في تحسين تجربتكم معنا

حدود مسؤولية الشركاء في الشركة ذات المسؤولية المحدودة: دليل المستثمر الذكي

يعتبر اختيار الكيان القانوني للمشروع التجاري من أهم القرارات التي يتخذها المستثمر. وتتصدر الشركة ذات المسؤولية المحدودة (L.L.C) قائمة الاختي...